مجمع البحوث الاسلامية

290

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وبناء على هذا ، فالجزاء الإلهيّ في يوم القيامة يكون أكثر من عمل الإنسان في هذه الدّنيا ، وذلك تماشيا مع الاستدلال المذكور في هذا الحديث . يقول الرّاغب في « المفردات » : الإحسان : شيء أعلى من العدل ، لأنّ العدل هو أداء الإنسان لما في عاتقه وأخذ المتعلّق به . أمّا « الإحسان » فهو أداء الإنسان عملا أكثر من وظيفته ، ويأخذ أقلّ من حقّه . ويتكرّر قوله سبحانه مرّة أخرى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ، * وذلك لأنّ جزاء الإحسان بالإحسان نعمة كبيرة من قبل اللّه تعالى ؛ حيث يؤكّد سبحانه أنّ جزاءه مقابل أعمال عباده مناسب لكرمه ولطفه وليس لأعمالهم ؛ وذلك في مجال الطّاعات وصالح الأعمال الّتي هي توفيقه ورزقه وبركاته . ملاحظة جزاء الإحسان إنّ الّذي قرأناه في الآية الكريمة هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قانون عامّ في منطق القرآن الكريم ؛ حيث يشمل اللّه سبحانه . كما يشمل الخلق وكافّة العباد ، وإنّ المسلمين جميعا يعلمون بعموميّة هذا القانون ، وعليهم مقابلة كلّ خير بزيادة ، كما ذكر الإمام الصّادق عليه السّلام في حديثه ؛ حيث يفترض أن يكون التّعويض أفضل من العمل المنجز المقدّم ، وليس مساويا له وإلّا فإنّ المبتدئ بالإحسان هو صاحب الفضل . وحول أعمالنا في حضرة الباري عزّ وجلّ ، فإنّ المسألة تأخذ بعدا آخر ؛ حيث أحد الطّرفين هو اللّه سبحانه العظيم الكريم الّذي شملت رحمته وألطافه كلّ عالم الوجود ، وإنّ نعمه وكرمه يليق بذاته ، وليس على مستوى أعمال عباده ، وبناء على هذا فلا عجب أن نقرأ في تاريخ الأمم بصورة متكرّرة أنّ أشخاصا قد شملتهم العناية الإلهيّة الكبيرة بالرّغم من إنجازهم لأعمال صغيرة ، وذلك لخلوص نيّاتهم ، ومن ذلك القصّة التّالية : [ ثمّ نقل نحو قصّة ذي النّون مع المرأة الكافرة عند البروسويّ ] ( 17 : 392 ) فضل اللّه : فإذا أحسن العباد إلى ربّهم بطاعتهم إيّاه ، فإنّ اللّه يجزيهم بالإحسان إحسانا من خلال لطفه بهم وعطفه عليهم . وقد أفاض علماء الكلام في الحديث عن الإحسان الإلهيّ لعباده المؤمنين المتّقين ، أهو تفضّل أم استحقاق ؟ ولكن هذا البحث غير دقيق ، لأنّ الّذي يقول بالاستحقاق ، يقصد به الاستحقاق من خلال تفضّل اللّه عليهم بوعده لهم بالمثوبة والإحسان . وقد جاء عن الإمام عليّ عليه السّلام : « لو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه ، لكان ذلك خالصا للّه سبحانه دون خلقه ، لقدرته على عباده ، ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه ، ولكنّه سبحانه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه ، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثّواب تفضّلا منه ، وتوسّعا بما هو من المزيد أهله » « 1 » . ( 21 : 320 ) احسانا 1 - وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . . البقرة : 83 راجع « ول د - والدين »

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خ 216 .